بقلم :طلال عوكل
لم يكن في وارد صناع السياسة والحروب في “إسرائيل” أن تصل بهم الأمور إلى الحد الذي تعبر عنه حالة القلق المتزايدة، بشأن ملاحقات قضائية دولية لعدد يتسع، ليشمل المزيد من المتهمين بارتكاب جرائم حرب ضد الفلسطينيين.
فقد واصلت السياسة “الإسرائيلية” على مدار تاريخها، ممارسة أبشع الجرائم وارتكبت الكثير من المجازر، وهي معتمدة على قوة آلتها العسكرية والأمنية وضعف خصومها العرب، وبالاعتماد أيضاً على قوة الدعم والتدخل الأميركي الذي كان يحميها كل الوقت في المحافل الدولية، فضلاً عن اعتمادها على قوة نفوذ اللوبيات اليهودية وتأثيرها في السياسات والمواقف الرسمية للدول الغربية عموماً.
القاضي الجنوب أفريقي ريتشارد غولدستون في تقريره بشأن جرائم حرب إسرائيلية محتملة، خلال العدوان الواسع على قطاع غزة في السابع والعشرين من ديسمبر العام الماضي، نوه إلى مسألة إفلات “إسرائيل” من العقوبات، وطالب المجتمع الدولي باتخاذ إجراءات صارمة ضد مرتكبي الجرائم في حق القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، ومعاهدة جنيف.
على أن القلق “الإسرائيلي” الشديد الذي جاء على خلفية مذكرة توقيف من قاضٍ بريطاني ضد وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة وزعيمة حزب كاديما تسيبي ليفني، التي امتنعت عن السفر لحضور مؤتمر يهودي في لندن، لم يكن وليد اللحظة، بل إنه يأتي في سياق سبقته مذكرات بحق شارون، ورئيس الأركان موشي يعلون، ووزيري الدفاع السابقين بنيامين بن اليعازر وشاؤول موفاز، وضد وزير الدفاع الحالي ايهود باراك، ومسؤولين آخرين كبار لم يتم اعتقالهم في بلدان أوروبية بسبب الحصانة الدبلوماسية التي يتمتعون بها.
إذن، نحن أمام كرة ثلج تتدحرج ويتضاعف حجمها، مع كل حرب عدوانية جديدة لا تستطيع “إسرائيل” أن تعيش بدون خوضها، وبدون ارتكاب مجازر، أو مخالفات فظة لقوانين الحرب وللقوانين والمعاهدات الدولية.
المذكرة التي صدرت مؤخراً في بريطانيا لتوقيف تسيبي ليفني، أحدثت ردود فعل طبيعية قوية في إسرائيل، واستنفرت كافة الأوساط الرسمية وغير الرسمية، انطلاقاً من استشعار خطر كبير لا يتوقف عند حدود ملاحقة بعض الشخصيات القيادية، بل إن المسألة تتسع لتشكل ظاهرة قد تشمل إسرائيل كلها كدولة متهمة بالإرهاب، والعنصرية، وارتكاب جرائم الحرب.
الحكومة الإسرائيلية استدعت السفير البريطاني في تل أبيب، الذي تعرض للتوبيخ، كما أعلنت أن سلوك القضاء البريطاني ضد مسؤولين إسرائيليين، سيلحق ضرراً بالغاً بالعلاقات بين البلدين، وسيؤثر سلبياً على دور بريطانيا في عملية سلام الشرق الأوسط.
وفي الواقع فإن التهديدات “الإسرائيلية” لاقت آذاناً صاغية ومستجيبة لدى الحكومة البريطانية، التي عبرت عن حرصها على العلاقة مع “إسرائيل”، وعن عزمها على القيام بكل ما في وسعها لتشجيع السلام في الشرق الأوسط، ولأن تكون «شريكة استراتيجية لإسرائيل».
ولاحقاً أوردت وسائل الإعلام تصريحات بريطانية، تشير إلى إجراء تغييرات في قانون القضاء بما يمنع تكرار هذه الحادثة.
والحال أن عدداً من الدول الغربية من بينها بريطانيا وبلجيكا، وإسبانيا وهولندا، يسمح القانون فيها بالتعامل مع شكاوى قد تؤدي إلى إصدار مذكرات باعتقال ومحاكمة أشخاص من غير مواطنيها، أي من دول أخرى. هكذا سيترتب على إسرائيل أن توسع حملتها السياسية وأن توظف علاقاتها الدولية، ولوبياتها، ومصادر نفوذها، لتشمل دولاً أخرى غير بريطانيا معنية هي الأخرى بما وعدت بريطانيا القيام به من تعديل لقانونها القضائي، وإلا فإن ما حصل ضد ليفني ومن سبقوها، قد يحصل في بلدان أوروبية أخرى.
في هذا الإطار علينا أن نتوقع أن تصبح قضية ملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين قضية رأي عام قريباً في بريطانيا، ولاحقاً على مستوى دول الاتحاد الأوروبي، خاصةً وأن الكثير من منظمات المجتمع المدني في أوروبا، قد أخذت تبدي اهتماماً جدياً أكبر تجاه دعم حقوق الشعب الفلسطيني، هذا بالإضافة إلى عشرات المراكز الحقوقية التي تنشط من خلالها الجاليات العربية.
ويمكن ملاحظة التغيير الذي يقع في أوساط الرأي العام الأوروبي الذي يبدي تفهماً متزايداً أعمق تجاه السياسة الإسرائيلية، التي لا تستجيب لمتطلبات السلام وترتكب ضد الفلسطينيين أفظع الجرائم.
إن صناع السياسة في أوروبا، لا يمكنهم الاستمرار في تجاهل طبيعة ونتائج السياسة الإسرائيلية التي تلعب دوراً في تغيير وجهة الرأي العام، الذي سيبلغ في لحظة ما حد الاستعداد للضغط على الحكومات الأوروبية، على خلفية السياسة والمواقف التي تتبعها تجاه قضية الصراع الفلسطيني، والعربي والإسرائيلي.
واستناداً إلى ذلك، فإنه لن يكون من السهل على الحكومة البريطانية أن تمرر قضية تغيير قوانين معمول بها منذ سنين طويلة، استجابةً لعملية الابتزاز والتهديد التي تمارسها إسرائيل، مما يعني أن القضية قد تتسبب في ردود فعل من قبل الرأي العام البريطاني. على أن هذه القضية غير المعزولة، تطرح على الفلسطينيين والعرب تحدياً قوياً، لا ينبغي تجاهله أو التقليل من أهميته وأبعاده وضرورة تجنيد إمكانياتهم لمجابهته.
هنا يكون الفلسطينيون أمام ميدان ومعركة، الاستثمار فيها منتج وقد يعطي مردودات من طبيعة استراتيجية فاعلة في التأثير على أبعاد الصراع.
إن ترك ساحة الرأي العام الأوروبي مفتوحة أمام إسرائيل، سيجعلها أقدر على التأثير في صياغة التوجهات السياسية لدول أوروبية، لا تقوم سياساتها ومصالحها في الأصل على نصرة المظلومين أو إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والعربية.
هذا يعني أن على الفلسطينيين أن يستعيدوا وحدتهم، وأن يستعيدوا قدرتهم على تجنيد طاقاتهم وتنظيم صفوفهم، لتعميق وتوسيع عملية التواصل مع المجتمعات الأوروبية، ولمواصلة الضغط في اتجاه محاكمة إسرائيل وقياداتها المتهمة بارتكاب جرائم حرب، أمام المحاكم الدولية المختصة.
وعليهم أيضاً ـ الفلسطينيون ـ أن ينظموا ويزجوا بالمزيد من الملفات التي تلاحق مجرمي الحروب الإسرائيلية، وأن يعززوا بقاءهم على تواصل مع المنظمات الأوروبية والدولية المماثلة، لا أن تظل الملفات حبيسة القضايا والهموم الداخلية على أهميتها.









مقالات
حين تكون أوروبا ميداناً للصراع





