أسامة عبد الرحمن *
ليس ثمة شك في أن توسيع رقعة المستعمرات الصهيونية يمثل مزيداً من الاحتلال والقضم للأراضي الفلسطينية التي يؤمل أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية . والطلب الأمريكي بتجميد الاستيطان طلب ينسجم مع خارطة الطريق الأمريكية الصهيونية المنظور والهدف . والتجميد لا يعني بالضرورة إنهاء لبناء المستعمرات الصهيونية على الأرض الفلسطينية، ولا يعني إلغاءً لهذه المستعمرات . وقد يكون التجميد مؤقتاً لفترة محدودة وحتى خلال هذه الفترة، قد يستمر التوسع في هذه المستعمرات بطريقة ملتوية وغير ملفتة للنظر . ويبدو أن الإدارة الأمريكية وهي تواجه ضغوطاً صهيونية مكثفة بدأت تتراخى حتى بالنسبة لهذا الاستحقاق الذي تفرضه خارطة الطريق، وتحاول أن تربط التجميد في بناء المستعمرات الصهيونية على الأرض الفلسطينية بخطوات عربية ملموسة تجاه التطبيع مع الكيان الصهيوني . وهذه الخطوات ستكون مكافأة مجانية للكيان الصهيوني لقاء تجميده بناء المستعمرات، وكسباً له مقابل استحقاق ملزم للكيان الصهيوني مرتبط باستحقاقات أخرى ضمن خارطة الطريق . فهل مقابل كل استحقاق ملزم للكيان الصهيوني في إطار خارطة الطريق الأمريكية الصهيونية على العرب أن يقدموا مقابلاً يتمثل في مكافأة مجانية لهذا الكيان؟ وما الذي سيبقى بيد العرب من أوراق؟
إن اختزال القضية الفلسطينية في موضوع بناء المستعمرات الصهيونية يصرف النظر عن حقوق أساسية للفلسطينيين في الأرض والعودة والقدس والمياه وغيرها، ومن دونها لا يكون ضمان حل للقضية، ولا حصول الفلسطينيين على الحد الأدنى من الحقوق . ويظل الكيان الصهيوني متشبثاً ببناء المستعمرات الصهيونية غير عابئ بأي التزام في خارطة الطريق، وهي قد فصلت أساساً وفق رغباته وإملاءاته وشروطه بإرادة أمريكية ولا تلبي الحد الأدنى من الحقوق الأساسية للفلسطينيين، ولا تعدهم إلا بدولة مسلوبة الحرية والسيادة والإرادة ومجزأة ومقسمة ومقطعة .
والإدارة الأمريكية التي طالبت بتجميد بناء المستعمرات لم تستطع أن تفرض على الكيان الصهيوني الالتزام بذلك، وتحاول أن تسترضيه مقابل تنفيذ هذا الالتزام بالطلب من العرب أن يقوموا بخطوات تطبيعية تجاه الكيان الصهيوني . وبدا الأمر وكأنه مناورة يستنزف فيها الكيان الصهيوني مكاسب من العرب، وهو لم يقم بأي خطوة ايجابية تبرهن على أنه راغب فعلاً في السلام . فهو قد رفض المبادرة العربية للسلام، أو أسقطها من حساباته، رغم أنها تقدم له التطبيع كاملاً مقابل سلام شامل .
ولعل هذه المناورة التي تتعلق بتجميد المستعمرات الصهيونية هي مثل غيرها من المناورات التي يحاول الكيان الصهيوني من خلالها أن يحقق أكبر قدر من المكاسب على حساب الحقوق الفلسطينية، وعلى حساب العرب من دون أن يحصل الفلسطينيون على حقوقهم الأساسية . . ودون أن يحصل العرب على سلام حقيقي .
إن تجميد بناء المستعمرات الصهيونية بند واحد من بين بنود كثيرة، هي استحقاقات ملزمة للكيان الصهيوني ضمن خارطة الطريق . وهو بند في القضية، والقضية أكبر من ذلك بكثير، ولا يمكن اختزالها في موضوع تجميد بناء المستعمرات الصهيونية . ومع أن تجميد البناء هو بند في إطار خارطة الطريق، فإن الوقف النهائي لبناء المستعمرات الصهيونية، أو إلغاءها في إطار الحل السلمي هو الأهم . والأهم قبل ذلك وبعده هو تنفيذ كامل لكل الاستحقاقات الملزمة للكيان الصهيوني ضمن خارطة الطريق في سياق متناغم ومترابط ومنسجم يفضي إلى قيام الدولة الفلسطينية المأمولة . ومن العبث أن يكون تجميد بناء المستعمرات الصهيونية مطلباً أمريكياً، وهو استحقاق ملزم للكيان الصهيوني . ورغم ذلك فالإدارة الأمريكية لم تقم بما يلزم لفرض ذلك ضمن خارطتها للطريق . ومن العبث أيضاً أن تبدو القضية الفلسطينية مختزلة في موضوع واحد، هو تجميد بناء المستعمرات الصهيونية .
· نقلا عن الخليج الاماراتية









مقالات
اختزال القضية في تجميد الاستيطان





