عبدالله السويجي
بعد أيام قليلة ينتهي عام ليبدأ عام جديد، حقيقة تفرضها حركة الكون وخالقه، لكن الحقائق التي يتحمل مسؤوليتها البشر تقول: بعد أيام قليلة، تتوالى الأيام بالصفات ذاتها، وبأحمالها الثقيلة، وبتوترها المرهق، ويتبدل الليل والنهار بمجريات أحداثه ذاتها، ويتحرك قادة العالم الذين يخططون (لمستقبل البشرية) بالعقلية ذاتها (السيطرة على العالم)، ويتحرك معظم المسؤولين العرب، بحكوماتهم وتنظيماتهم بالارتباك ذاته، والضبابية ذاتها، ولهذا، فإن الله يخلق الليل من النهار، ويخلق النهار من الليل، بينما يصرّ البشر على الأزمة من أختها، والبقاء في الثبات ذاته (ثبات الأزمات المتحركة)، ثابتون على الرغم من حركتهم، لأن حركتهم لا تقدم ولا تؤخر، بل على العكس من ذلك، تزيد العمل السياسي والاجتماعي العربي ظلاماً، وتلوثاً، وظلماً، وازدواجية وانفصاماً، وبهذا أيضاً، لا يتعلم القادة في العالم أجمع، من روح الكون المتحركة في عناصره، ويصرّون على جعل العالم على (كف عفريت)، ليزدهر الشر، ويتراجع الخير . وإذا كان الخير يعني تكدس الأموال، فإنه يتكدس في جيوب قلة قليلة من الناس، وقلة قليلة من الحكومات، بينما دول بأكملها تعيش تحت خط الفقر، ولا أحد يعبأ بها، فيشتري أحدهم يختاً بملايين الدولارات، بينما تتعاظم أزمة اللاجئين في العالم، ويقيم أحدهم حفل زفاف فيجلب الطعام من العواصم العالمية كلها، بينما يموت ملايين الأطفال يومياً بسبب سوء التغذية والجوع والجفاف، ويهدر الأغنياء أموالاً طائلة على بيوت يريدونها أشبه بالجنة، بينما ملايين الأطفال لا يجدون ماء صالحاً للشرب .
العالم البشري يقسّم نفسه إلى غني وفقير، وهي ليست مشيئة الله، لأن مشيئة الله تحض على العدل والمؤازرة، وبذلك، كلما زاد عدد الأغنياء، لا بد أن يزداد في المقابل عدد الفقراء، وكلما ازدهرت صناعة السلاح، كلما زادت المقابر اتساعاً، وكلما زاد التطرف في أي مجال كان، تراجع التسامح والحب وفرص التعايش السلمي بين الناس . العالم البشري يقسّم نفسه إذن، بين قاتل ومقتول، وبين ظالم ومظلوم، وبين مشرد ومستو، وبين سارق ومسروق .
العالم العربي، مقارنة بما يحدث في العالم المتطور والمتحضر، يبدو وكأنه خارج الزمن، وأحياناً خارج النص القانوني والحضاري والشرعي، فهو عالم غريب حقاً، بدل أن يسير باتجاه الاستقرار، فإنه ينحت في الأزمات كي يولّد أزمات أخرى، يغذي المذهبية، والعقائدية، والقبلية، والتطرف، والفردانية، ويذهب بقدميه إلى شياطين العولمة، ويرهن نفسه طواعية للشركات العابرة للقارات، والبنك الدولي، واللغات الأجنبية، والمعتقدات المعقدة، والعادات الجاهلية، والأعراف المتهالكة، وحين نقول التطرف وخلافه فإننا لا نعني الجماعات والتنظيمات والحكومات الدينية، وإنما المعسكران، السلطة والمعارضة والجماعات والتنظيمات الدينية، وهذه الأطراف كلها وصلت إلى حال، كما يبدو، قطعت فيه الحوار وحطمت الموائد المستديرة، وسنّت سيوفها ليحل كل طرف محل الآخر، ويصادر كل طرف الآخر، بل ويلغي كل طرف الآخر . ومن هنا، أينعت الأزمات، واتسعت الفجوات، وأثمرت أشجار الكراهية عداوات جديدة، حتى انتقل إلى العامة، والعامة سريعون في اتخاذ المواقف والانفعالات، ولهذا، فإنهم يفرزون بوتيرة أسرع، فيتحوّل الصراع إلى صراع مقدس، وكل ميت من أي طرف يتحول إلى شهيد، وهو أمر يمكن أن نطلق عليه (تجييش الناس عن طريق الأفكار الدينية الخاطئة)، فالمذاهب على سبيل المثال لم تنزل مع القرآن أو الإنجيل أو التوراة، وإنما أشعلتها السياسة والطموحات والاجتهادات الشخصية، وانقسم العالم وفق هذه المذاهب، حيث التزمّت صار عنواناً لهذا الصراع، على الرغم من أن الجميع يعبدون إلهاً واحداً .
إن الدول المتقدمة ليست بعيدة عن التطرف، واستغلال الدين، فالرئيس السابق جورج بوش معروف في عضويته بالكنيسة المسيحية الصهيونية، ومفرداته كانت غزيرة وهي تستخدم الدين، حتى اعتقد البعض أنه يقود حرباً دينية، بينما العكس صحيح، لقد قاد حرباً لا دينية قذرة، أدت إلى تشريد الملايين، وخلط الأوراق بطريقة دنيئة في أكثر من مكان في العالم، ويبدو أن خلفه أوباما يسير على الطريق ذاته، فبدلاً من الانسحاب من أفغانستان فإنه يرسل أكثر من 30 ألف جندي للقتل أو الموت، وبدلاً من الوفاء بوعده في حل قضية الشرق الأوسط، فإنه يؤيد يهودية الكيان الصهيوني، وهكذا يفعل المتطرفون الآخرون، الذين (يجاهدون) بعين واحدة .
التفرقة وعدم التنسيق والمناكفات بين الدول العربية لا تزال على حالها، وتتواصل مع العام غير الجديد، وهذه القُبَل المتلفزة لا تدل على شيء جوهري، والدليل أن لا شيء تغيّر على الأرض، وإذا كانت هذه التفرقة تسود بين الحكومات المستقلة، فإنها يجب ألا تسود في الحكومات غير المستقلة أو التي تحت الاحتلال، فالسلطة الوطنية الفلسطينية تحولت إلى سلطتين، إحداهما إسلامية والثانية ليبرالية، إحداهما تلهث للتفاوض مع العدو الصهيوني، والثانية تلهث وراء هدنة طويلة الأمد، إحداهما اعتقدت أو أقنعت نفسها أنها تعيش داخل دولة مستقلة، والثانية تسعى إلى تحقيق مشروعها الإسلامي، والشعب في الطرفين، في القطاع والضفة، لا حول له ولا قوة، يقبل اليد ويدعو لكسرها .
القانون يدرّس في الجامعات، إنه في واد، وتطبيقه في واد آخر، لا تزال المحسوبية والقبيلة والواسطة تفعل فعل السحر، والشفافية معدومة، فلو كان للقانون أي تواجد خارج المنهاج الدراسي، لوجدنا رؤوساً كثيرة وكبيرة داخل مؤسسات المحاسبة، وعدم تطبيق القانون، يؤدي إلى مصادرة الرأي، وتقزيم دور الإنسان، وتشويه كرامته، وخلخلة القيم، وهشاشة الانتماء وتدني التفكير الجماعي، وعدم إعطاء المرأة حقها المنصوص عليه في الأحاديث والكتب السماوية قبل القوانين الوضعية، وهكذا . .
باستثناء دول الخليج العربية، تشكل الهجرة هدفاً رئيساً لشريحة واسعة من المواطنين، ولا نظن أن المواطن يهاجر بسبب ضيق اليد فقط، ولكن عندما تكون مصحوبة بالاستبداد، والقمع، عندها يتحول الوطن إلى طنين يقضي على كل سعادة وحرية وإنسانية، وتكون الهجرة هي الطريق الوحيد للإفلات من التوتر اليومي، وأمراض القلب والإدمان على أي شيء . إن أقسى وأصعب أنواع الهجرة حين تكون للخروج من واقع يسوده اليأس إلى واقع أكثر يأساً، بمعنى أن يسعى الفلسطيني إلى الهجرة يائساً من (ثورته)، والعراقي يائساً من حكومته التي جاءت، كما تدعي، لتحريره، والصومالي، واليمني واللبناني وغيرهم . .
هنالك 22 دولة عربية، فيها 22 قانوناً للأحوال الشخصية، بعضها يستمد مواده من المذاهب، وبعضها من العادات والتقاليد، وبعضها الآخر من الجهل، حيث تسود الذكورة الحياة العامة، وتنكسر الأنوثة انكساراً مؤلماً، فيغيب الحوار بين الطرفين، وبالتالي تغيب الخضرة عن الحياة الزوجية، فما أصعب من إتمام الزواج بين طرفين من مذهبين مختلفين، وما أسهل الطلاق . .
عام جديد على أوراق التقويم، إلا أنه يشبه أعواماً سابقة من حيث (التمقيت)، وما علينا إلا أن نكون متفائلين بغد أفضل .
· نقلا عن جريدة الخليج









مقالات
خواطر قديمة لعام غير جديد





